العلامة المجلسي
235
بحار الأنوار
الحديد : استعار النهوض بالجناح للاعتزال أي نفض يديه كطاير ينهض بجناحيه واعتزل عن الناس وساح في الأرض أو فارق الدنيا ومات ، ولو بقي فيهم ترك المنازعة ولا يخفى بعدهما ، بل الأظهر في الروايتين أن المعنى فاز من قام بطلب الحق إذا تهيأت أسبابه أو انقاد لما يجرى عليه مع فقدها . وبعد ذلك في النهج " ماء آجن ولقمة يغص بها آكلها ، ومجتني الثمرة لغير وقت إيناعها كالزارع بغير أرضه " فعلى رواية ابن الجوزي الغرض ظاهر أي الصبر على الشدة والمذلة أولا مع حسن العاقبة أحسن من ارتكاب أمر يوجب اشتداد البلية وسوء العاقبة ، وعلى الرواية الأخرى الأظهر أنه يعود إلى هذا المعنى ، أي ما تدعوني إليه وتحملوني عليه ماء آجن أي متغير الطعم والرائحة ، " ولقمة يغص " بفتح الغين أي ينشب في حلق آكلها ولا يمكنه إساغتها . وذهب شارحوا النهج إلى أن المعنى أن الخلافة والامارة مطلقا كالماء واللقمة تستتبع المتاعب والمشاق في الدنيا أو عاجلا لو كان حقا ، وعاجلا وآجلا مع بطلانها ، وقيل إشارة إلى ما انعقد في السقيفة ، واجتنى الثمرة قطفها أي من اجتني ثمرة في غير وقته لا ينتفع بها كزارع أرض لا يقدر على الإقامة فيها أو يخرجه عنها مالكها ، ولعله ( عليه السلام ) شبه طلبه في هذا الوقت بمن يجتني ثمرته مع عدم إيناعها ، وشبه اختيار الملعون الخلافة بمن زرع في غير أرضه فيفيد ما تقدم مع كمال التشبيه في الفقرتين . " واللتيا " بفتح اللام وتشديد الياء تصغير التي وجوز الضم أيضا ، واللتيا والتي من أسماء الداهية ، فاللتيا للصغيرة ، والتي للكبير ، قيل تزوج رجل امرأة قصيرة سيئة الخلق فقاسى منها شدائد ثم طلقها وتزوج طويلة فقاسى منها أضعاف القصيرة ، فطلقها ، وقال بعد اللتيا والتي لا أتزوج أبدا ، فصار مثلا ( 1 ) فالمعنى ما أبعد ظن جزع الموت في حقي بعد ما ارتكبته من الشدائد ، وليس قوله : " ومن الرجل بأخيه وعمه " في النهج ، والاندماج الانطواء وباح بالشئ أعلنه وأظهره .
--> ( 1 ) راجع مجمع الأمثال 1 / 92 تحت الرقم 440